بقلم المخرج الفلسطيني / سامح المدهون
في كثير من الأحيان يشعر المبدع الفلسطيني بأنه يرزح تحت سطوة القيود السياسية وظلم المجتمع الروتيني الذي أشغلته الظروف والأوضاع المتلاحقة حتى عن النظر لذوي المواهب والقدرات .
لم تكن اللحظة التي زرت فيها ملتقى بال سينما لأول مرة لحظة عابرة ، والتي رأيت فيها صديقي المخرج فايق جرادة يجلس بين الشباب يخفف عنهم ويحمل همهم ويقود مسيرتهم ، حقيقة في تلك اللحظة لم أعرف الرئيس من المرؤوس ، والقائد من الجندي ، بساطة اللقاء وعظمته كانت قد خلطت في نفسي الظنون وأشعرتني بعظمة مستقبل ملتقى كهذا كل من فيه شباب ،أفكارهم شابة أرواحهم متوقدة فتية تولد من رحم إبداعهم وتألقهم .
حقيقة هذا الظرف دفعني بلا تردد لوهلة أن أصبح ضمن الحالة الجميلة والوضع القائم الفريد ، فحملت في نفسي وعنقي أن أكون أحد الداعمين والجنود في هذا الملتقى .
وبعد أيام وبعد أن ترددت إلى هناك مرارا ، بدأ يتناهى إلى سمعي الحديث عن مهرجان بعنوان غزة لأفلام الهواة كان قد أعد لها مسبقا ، أعجبني الأمر جدا ولم أخفي ذلك أبدا ، وكانت الفكرة تكمن في جمع أفلام مجموعة من الشباب المبدع الفلسطيني وعرض هذه الأفلام البسيطة تقنيا العظيمة إرادةً وصبرا ، أن يتم عرضها للجمهور الفلسطيني المركز من النخب الثقافية والفكرية والإعلامية ، وبهذا تتحقق عدة أهداف ، أهمها رفع المعنوية والدعم النفسي لهؤلاء المبدعين المحرومين من الرعاية في ظل جور الواقع الفلسطيني وإقصائه لمثل هذه القدرات الشابة أو انشغاله عنها بما هو ليس أهم .
كانت الموافقة على المهرجان ليست سهلة كانت كالظمآن في قلب الصحراء ينتظر أحدا يأتيه بقطرة ماء تنقذه من موت محقق !
وبعد أيامٍ من العناء الذي رأيت ملامحه جلية على وجوه الشباب المبدعين ومن حملوا همهم وعلى رأسهم صديقي المخرج فايق جرادة ،، جاءت الموافقة ، بصراحة كان مشهدا مبكيا رأيت بعضهم يبكي فرحا وآخر يرقص طربا كأن حلم الحياة قد تحقق وأعيدت بغداد لأهلها !
وفي أول يوم من أيام المهرجان الذي تم عقده في مؤسسة سعيد المسحال في تلك اللحظة التي امتلأ فيها مسرح عسقلان بنفس المؤسسة شعرت بأن الشباب الفلسطينيين المبدعين بحاجة لدعم معنوي ، اتصلت حينها بالفنان العربي السوري الكبير أيمن زيدان ، وبعد أن اطمأننت عليه أجابني أنا في المستشفى ، قلت له مضطرا : اعذرني على ثقل ظلي أريد منك كلمة لدعم المبدعين فقال لي : متى ؟ قلت له : الآن ، فاجأني بالموافقة فورا وقال لي : بكل حب وسرور وشرف!!
وعند هذا الموقف العظيم من رجل عظيم لا بد من وقفة ، فإنني هنا ألقي اللوم على الكثير من الزملاء والمؤسسات التي لا تلقي بالا للشباب المبدعين ولا تأل جهدا في رعايتهم والحفاظ عليهم ، أهمس في أذنهم همسة حب وعتاب فيها كل معاني التقدير لهم ولانشغالهم ولكن أعتقد أن القاعدة لهؤلاء لا يمكن أن تكون دون الشباب المتميزين ، وهنا أوجه رسالة للمخرجين والمؤسسات المعنية وفي أحشائها عتاب وحب ، مدوا يد العون لهؤلاء !!
كانت كلمة زيدان مليئة بالتوقير للشباب حتى أنه قال أنا مستعد للمشاركة بأي عمل شاب مهما كان دوري ومهما كان حجم العمل ولست مستغربا من كلام هذا الكبير الذي عرفته عن قرب في أكثر من عمل .
وعندما سمعت كذلك كلمة الحبيب الناصري رئيس مهرجان خريبكة المغربي وهو يمتدح الشباب ويعتبرهم النواة الأولى لأي عمل مهما كان حجمه شعرت بأهمية هؤلاء الأفذاذ .
وفي بحر اليوم الأول قرأت في عيون الحضور حبا وأملا وخوفا وأمنا وشوقا وبعدا وعشقا وكرها ، كانت عيون الحضور مرآة للأفلام التي صنعها الهواة تبكيهم وتضحكهم وتذكرهم وتـأخذهم نحو عوالم مختلفة استطاع الشباب صنعها بمداد من عرق وبجهدٍ دؤوب صدته موانع وظروف شتى !
حيث عرض في اليوم الأول فيلم فوضى لشباب مبدعين وكان بالفعل فيه نوع من حداثة تكوين الصورة واستخدام الموسيقى بشكل مناسب _ لست في معرض التفصيل _ لكنه كان عملا مميزا ، وقبله عرضت بانورما المهرجان فيها كل ما سيعرض بشكل مقتضب وكان تحمل أشياء رائعة .
مر الوقت ثقيلا حتى أقبل اليوم الثاني الذي عرضت فيها مجموعة أفلام تتحدث عن مواضيع مختلفة وقضايا فلسطينية متعددة وكانت أروع ما تكون ، واتصلنا في اليوم الثاني بالفنان السوري الرائع مصطفى الخاني صاحب دور النمس في مسلسل باب الحارة وأبدى إعجابه الشديد بالفكرة واختتم مكالمته بعبارته الشهيرة ( هالرقبة سدادة لشباب فلسطين ) .
وعقب انتهاء العروض ، رأيتهم يتعانقون ودموع الفرح في عيونهم ، يا لها من لحظة أود أن لو توقف الزمان عندها ، شعرت حينها بمدى الكبت ومدى الظروف الخانقة التي يعيشها المبدعون ، كأنهم سجناء خرجوا من قيدهم وتحررت الدنيا لحظة خروجهم .
انتهى المهرجان ولم نشعر به ،حقيقةً مساحة السرور التي سكنت قلوبنا أنستنا كل شيء ، زرت الملتقى في اليوم التالي مباشرة رأيت الشباب كأنهم لم يخرجوا من تعب وإرهاق وإعياء ، همة متجددة ، إرادة لن تلين وبينهم يستقر الزميل الغالي المخرج فايق جرادة يؤيدهم ويدفع همتهم ويصنع من أفكارهم أعمالا رائعة ، قلت في نفسي من لهؤلاء إن لم نكن نحن !
يشدني في جلساتهم حديثهم ونقاشهم ، يفتشون في التاريخ يستمدون منه العبر ، كل شخص منهم يأتي بعمل جديد يتحدث في مميزاته وسلبياته يتعلمون يبذلون ما بوسعهم حتى يكونوا روادا لنا ، إني لأشعر بالجيل الجديد الذي سيتقدم الخطوط ويصل لمراحل متقدمة جدا من الإبداع والتميز .
وأخيرا ، وبعد هذا العمل المتميز الشبابي الخالص ، أضع بعض التساؤلات التي أتمنى أن تلقى أذنا صاغية وتطرق أبواب القلوب التي أشغلتها المادة وسلبت عقولها غواية الشهرة والظهور !!
• هل سيبقى الشاب الفلسطيني المبدع حائرا بين ظلم المجتمع وجور السياسة وضيم الظروف ؟
• من سيمد للشباب المبدعين يد العون يساعدهم ويأخذهم نحو الإبداع والتألق ، ليرتقي بهم ويرتقوا به ؟
• هل ستبقى أحلام الشباب في ومض الخيال ، لن تتحقق لأننا كتبنا على أنفسنا أن نهتم بأنفسنا ونترك أنفسنا لأنفس غيرنا ؟
• إلى متى ستبقى المدرسة الكلاسيكية التي بلغت من الكبر عتيا تستحوذ على كل شيء والحداثيون الحافظون للماضي والحاضر ليس لهم نصيب ؟؟
• هل سيشهد المستقبل أعمالا تلملم أمنيات الشباب المتناثرة وتجمع شملهم وترتقي بأحلامهم الكبيرة ؟
• إلى متى ستبقى الظروف والعادات والتقاليد تلقي بالمجتمع نحو العزوف عن الإبداع والحداثة والارتقاء الذاتي والشامل ؟
• إلى متى سنبرر أفعالنا بقول أن هناك ما هو أهم ، والأهم حقيقة تكوين القاعدة التي ستحفظ الأهم ؟
• أتساءل من المسئول عن إظهار الطاقات والإبداعات الشابة إذا كانت الكثير من المؤسسات تعتذر عن المشاركة في إبرازهم وتحقيق أمانيهم ؟
• إلى متى ستبقى الأنا وغواية الظهور تسيطر على الكثير الذين لا ينظرون إلى غيرهم وإن كانوا أقوى منهم وأعظم شأنا ؟
• ما هو المبرر لسياسة نفي الآخر إن كان يحمل الآخر أفخر الإبداعات وأسمى الأمنيات ولا يستطيع مواجهة التحديات ؟؟
وأخيرا ننتظر من يتبنى هذا الفكر ويعمل له ويحمل على عاتقه حمل هم هؤلاء والدفاع عنهم وتبنيهم بشكل يليق بتميزهم ونجاحهم